عبد الرحمن السهيلي

162

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وإذا كانوا جرياً له ، وقالوا : ما يرضيه من الغلو في المنطق ، فقد قالوا بقوله : ويستجرينكم من قولهم : جريت جرياً ، أي : وكلت وكيلاً . وقال له رجل آخر : أنت أشرفنا حسباً وأكرمنا أماً وأباً ، فقال : كم دون لسانك من طبق ؟ فقال : أربعة أطباق ، فقال : أما كان فيها ما يزع عني غرب لسانك . رواه ابن وهب في جامعه . وقول أبي دجانة : * ألاّ أقوم الدهر في الكيّول * قال أبو عبيد : الكيول آخر الصفوف ، قال : ولم يسمع إلا في هذا الحديث ، وقال الهروي : مثل ما قال أبو عبيد ، وزاد في الشرح ، وقال : سمي بكيول الزند ، وهي سواد ودخان يخرج منه آخراً ، بعد القدح إذا لم يور ناراً ، وذلك شيء لا غناء فيه ، يقال منه كال الزند كيول ، فالكيول فيعول من هذا ، وكذلك كيول الصفوف لا يوقد نار الحرب ، ولا يزكيها ، هذا معنى كلامه لا لفظه . وقال أبو حنيفة نحواً من هذا إلا أنه قال : كال الزند يكيل بالياء لا غير . وقوله : رأيت رجلاً يحمش الناس حمشاً شديداً ، يروى بالشين وبالسين ، فالمعنى بالسين غير معجمة في هذا المكان الشدة ، كأنه قال : يشهدهم ويشجعهم ، لأنه يقال : رجل أحمس ، أي : شجاع شديد ، والمعنى فيه بالشين معجمةً ألا يقاد والإغضاب ، لأنه يقال : أحمشت النار أوقدتها وحمشت الرجل ، وأحمشته : أغضبته ، فيكون أفعلت من ذلك للإيقاد والإغضاب ، وفعلت للإغضاب . حديث وحشي : قال فيه : فإذا شيخ كبير ، كالبغاث ، قال أبو عبيد : البغاث الطير الذي لا يصاد به مثل الرخم ، والحداء ، واحدتها بغاثة . ويقال : بغاثي وجمعه بغاث وبغثان . وقال ابن إسحاق في رواية يونس عند ذكر البغاث البغاث هو ذكر الرخم إذا هرم اسود . وقول وحشي لعبيد الله : ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية ، ولم يذكر اسمها ، وأم عبيد الله بن عدي هي أم قتال بنت أبي العيص بن أمية ذكرها البخاري في هذا الخبر ، ولم يقل : السعدية فهي إذاً قرشية أموية لا سعدية إلا أن يريد بها مرضعته إن كانت سعدية ، وأما عبيد الله بن عدي ، فولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات في خلافة الوليد بن عبد الملك ، وله دار بالمدينة عند دار علي بن أبي طالب رضي الله عنه يروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وغيره ، وله حديث في الموطأ في كتاب الصلاة . وقوله : بذي طوى : موضع بمكة ، وقد قدمنا الفرق بينه وبين ذي طواء بالهمز والمد ، وبين طوى بالضم والقصر فأغنى عن إعادته ها هنا . وقول وحشي : يهذ الناس بسيفه ، ما يليق شيئاً ، مثل الجمل الأورق ، يريد والله أعلم ورقة الغبار ، وإنه قد نافع به إذ الأورق من الإبل ليس بأقواها ، ولكنه أطيبها لحماً فيما ذكروا . وقوله : يهذ الناس ، هو بالذال المنقوطة ، ذكره صاحب الدلائل ، وفسره من الهذ وهي السرعة وأما الهذم بالميم ، فسرعة القطع ، يقال : سيف مهذم ، والهيذام : الكثير الأكل ، وهو الشجاع أيضاً ، وفي الحديث : أكثروا من ذكر هاذم اللذات ، يروى بالذال المنقوطة أي قاطعها ، ومما ذكر غير ابن إسحاق في خبر وحشي ، قال : فخرجت حين قال ليس سيدي ما قال ، فنظرت فإذا رجل عبعب عليه درع قضاء وإذا هو علي ، فقلت : ليس هذا من شأني ، وإذا رجل حلابس ، أيهم غشمشم يهذ الناس ، كأنه جمل أورق ، فكمنت له إلى صخرة كأنها فسطاط ،